الشيخ محمد رشيد رضا
118
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
للتذكير بذلك السناء الإلهي ، والاستعانة بها على توجه القلب اليه ، واستغراقه في ذكره ومناجاته ودعائه ، وهو روحها وسرها الذي يستعان به وبالصبر على جميع المقاصد العالية والمجاهدات . فهذا هو البر وقد تقدم القول في معنى الصلاة واقامتها والاستعانة بها ، وانما نعيد التذكير ، كلما اعاده الكتاب العزيز وَآتَى الزَّكاةَ * المفروضة اي أعطاها مستحقيها . قلما تذكر إقامة الصلاة في القرآن إلا ويقرن بها إيتاء الزكاة ، فالصلاة مهذبة للروح ، والمال كما يقولون قرين الروح ، فبذله في سبيل الحق ركن عظيم من أركان البر ، وآية من أظهر آيات الايمان ، ولذلك أجمع الصحابة عليهم الرضوان على محاربة مانعي الزكاة ، ولكن الذين لا يعرفون من الدين والايمان إلا تقليد بعض الكتب التي ألفها الميتون ، ونشرها الرؤساء والحاكمون ، يمنعون الزكاة عمدا باسم الدين ، بما تعلمهم هذه الكتب من الحيل التي تمنع بها الحقوق الثابتة ، وآكدها الزكاة التي ذكر الكتاب مصارفها الثمانية ، وقضى بأن تبقى ببقائها كلها أو بعضها - ويسمونها حيلا شرعية ، وما نسبتها إلى الشرع ، إلا كنسبة منجل الحاصد إلى الزرع ، أو العاصفة في القلع فمانع الزكاة يهدم في الظاهر ركنا من أعظم أركان الاسلام ، وينقض في الباطن من تحته أساس الايمان ، لأنه يحتال على اللّه تعالى في إبطال فريضته ، وإزالة حكمته ، فهو لم يرض بحكمه ، ولم يذعن لأمره ، بل فسق عن أمر مولاه ، واتخذ إلهه هواه ، وتجرأ على تبديل كلمات اللّه ، فنسخ الآيات الكثيرة من كتابه الآمرة بايتاء الزكاة على أنها آية الايمان ، وصلاح العمران ، ثم هو يسمي هذا الحنث العظيم ، والجرم الكبير ، حكما مشروعا ، ودينا متبوعا ، وو اللّه ان نسبة هذا السفه إلى الشرع ، لأدل على الكفر من ذلك المنع ، إذ لا يعقل أن يشرع اللّه لنا شيئا ويؤكده علينا سبعين مرة ثم يرضى بأن نحتال عليه ونخادعه في تركه ، ونزعم أنه تقدس وتعالى أذن لنا بهذه المخادعة والمخاتلة ! إذا لماذا فرض وأوجب ، ورغب ورهب ، ووعد وأوعد ، وحكم وأحكم ؟ هل كان ذلك لغوا من الكلام ، وجهلا بحكمة وضع الاحكام ؟ على أن تلك الحيل الشيطانية لم يجد لها واضعوها شبهة من تحريف كتاب اللّه تأويل آياته كما هي طريقتهم في اتباع أهوائهم ، وتأييد آرائهم ، فان اللّه تعالى لم